الفيض الكاشاني
348
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
طريدة فأتبعتها وأوغلت في أثرها حتّى بلغت إلى نهر فسرت فيه وكلَّما سرت يتّسع النهر فبينا أنا كذلك إذ طلع عليّ فارس تحته فرس شهباء وهو متعمّم بعمامة خزّ خضراء لا أرى منه سوى عينيه وفي رجليه خفّان أحمران ، فقال لي : يا حسين ولا أمّرني ولا كنّاني ، فقلت : ما ذا تريد ؟ فقال : لم تزري على الناحية ؟ ولم تمنع أصحابي خمس مالك ؟ وكنت رجلا وقورا لا أخاف شيئا فأرعدت وتهيّبته وقلت له : أفعل يا سيّدي ما تأمر به ، فقال : إذا مضيت إلى الموضع الَّذي أنت متوجّه إليه فدخلته عفوا وكسبت ما كسبت فيه تحمل خمسه إلى مستحقّه ، فقلت : السمع والطاعة ، فقال : امض راشدا ولوّى عنان فرسه وانصرفت فلم أدر أيّ طريق سلك فطلبته يمينا وشمالا فخفي عليّ أمره فازددت رعبا فانكفأت راجعا إلى عسكري وتناسيت الحديث فلمّا بلغت قم وعندي أنّني أريد محاربة القوم خرج إليّ أهلها وقالوا : كنّا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا وأمّا إذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا وبينك ، ادخل البلدة فدبّرها كما ترى فأقمت فيها زمانا وكسبت أموالا زائدة على ما كنت أقدر ، ثمّ وشى القوّاد بي إلى السلطان ، وحسدت على طول مقامي وكثرة ما اكتسبت ، فعزلت ورجعت إلى بغداد فابتدأت بدار السّلطان وسلَّمت وأقبلت منزلي ، وجاءني فيمن جاءني محمّد بن عثمان العمريّ فتخطَّى النّاس حتّى اتّكأ على تكأتي فاغتظت من ذلك ولم يزل قاعدا لا يبرح والناس يدخلون ويخرجون وأنا أزداد غيظا فلمّا تصرّم المجلس دنا إليّ وقال : بيني وبينك سرّ فاسمعه ، فقلت : قل ، فقال : صاحب الشهباء والنهر يقول : قد وفينا بما وعدنا ، فذكرت الحديث وارتعدت من ذلك وقلت : السمع والطاعة ، فقمت وأخذت بيده وفتحت الخزائن فلم يزل يخمّسها إلى أن خمّس شيئا كنت قد أنسيته ممّا كنت قد جمعته وانصرف ولم أشكّ بعد ذلك وتحقّقت الأمر ، وأنا منذ سمعت هذا من عمّي أبي عبد اللَّه زال عنّي ما كان اعترضني من الشكّ » ( 1 ) . ومنه ما روي عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه قال : لمّا وصلت بغداد
--> ( 1 ) الخرائج ص 218 .